شمس الدين السخاوي
74
الضوء اللامع لأهل القرن التاسع
لله ، ومما يعاب به أيضا أنه كان ينفد ما يتحصل في يديه مع كثرته جدا أولا فأولا حتى أنه لم يدع في الخزانة ما لا بل ولم يترك من الزردخاناه والشوب والإسطبلات السلطانية إلا الربع مما خلفه الملوك قبله أو أقل والأعمال بالنيات ، وقد ذكره شيخنا مع كونه ممن ألفته الحساد في أثناء أمره عنه وناله منه ما يخشى عليه بسببه في ترجمة الظاهر من نزهة الألباب في الألقاب له فقال وآخرهم يعني ممن يلقب بالظاهر سلطان العصر الملك الظاهر جقمق فاق ملوك عصره بالعلم والدين والعفة والجود أمتع الله المسلمين ببقائه . قلت وقد اجتمعت به مرارا وأهديت إليه بعد وفاة شيخنا بعض التصانيف وأنعم هو علي بما ألهمه الله به وصار يكثر من الترحم على شيخنا والتأسف على فقده بل سماه أمير المؤمنين ، وهو ممن أسعد في مماليكه بحيث أضيفت المملكة العظمى لغير واحد منهم فضلا عمن دونها ، ولم يزل على ملكه إلى أن ابتدأ به المرض وصار يظهر الجلد ولا يمتنع من الكتابة والحكم حتى غلب عليه الحال وعجز فانحط ولزم الفراش نحو شهر ثم مات وقد زاد على الثمانين وذلك بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء ثالث صفر سنة سبع وخمسين فمات تلك الليلة والقراء حوله إلى أن جهز من الغد وصلى عليه بمصلى باب القلة وحضر ولده المنصور الصلاة عليه وكذا الخليفة وهو الذي تقدم للصلاة عليه بالجماعة وكان يوما مشهودا لم تر جنازة لملك كجنازته في عدم الغوغاء وكثرة الأنس والخفر ودفن بتربة قانباي الجركسي أمير اخور كان التي جددها وأنشأها عند دار الضيافة بالقرب من القلعة ، وحكى لي بعض الخيار بعد دهر أنه رآه بعد موته وكأنه في قصر مرتفع ومعه جماعة منهم والده والشيخ أبو الجود وأنه سأله عما فعل الله به فقال له والله لقد أعطانا الملك من قبل أن نرد عليه قال الرائي فقلت في نفسي هذا محتمل لإرادة الملك الدنيوي وهو قد أعطيه وأردت تحقيق الأمر فقلت له ما الملك الذي أعطاكه قال الجنة ثم قال وجاء جماعة بعدنا ليس لهم فيها وقت ولا مكان رحمه الله وإيانا . 288 جقمق سيف الدين من أبناء التركمان ولكنه اتفق مع بعض التجار أن يبيعه ويقسم ثمنه بينهما ففعل ولذا كان يتكلم بالعربي بحيث لا يشك من جالسه أنه من بنى الأحرار ، وسمي بعضهم والده عبد الله وهو اسم لمن لا يعلم اسمه غالبا . تنقل في الخدم حتى تقرر دوادارا ثانيا للمؤيد قبل تملكه ثم استمر بل عمله دوادارا كبيرا ثم ولاه دمشق سنة اثنتين وعشرين ثم بعد موته أظهر العصيان وآل أمره إلى أن أمسكه ططر بقلعة دمشق وعصره وأخذ منه مالا ثم